السيد عبد الأعلى السبزواري

282

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ . تكرار النداء لبيان عظمة المنادي ، وللإشارة إلى تتابع النداء على مريم وحثّها على الاستماع والإصغاء ، والتحبّب إليها ، والاهتمام بشأنها . والقنوت : هو لزوم الطاعة والخضوع ، وتقدّم تفصيل معناه في قوله تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [ سورة البقرة ، الآية : 238 ] . والسجود والركوع معروفان ، والجميع كناية عن لزوم الطاعة والخضوع والخشوع في العبادة وعدم تركها في حال ، ومراعاة وظيفة العبوديّة . ويمكن أن يكون المراد من الركوع مع الراكعين هو لزوم الصلاة والمحافظة عليها ، ولعلّ النكتة في التعبير بالركوع مع الراكعين هي الأمر باتباع شريعة موسى ومتابعة زكريا قبل ظهور شريعة ابنها عيسى عليه السّلام ، حيث إنها كانت في كفالته ، مع أن الظاهر أن الصلاة كانت واحدة في الشريعتين ، فإنها أوّل ما نطق به عيسى عليه السّلام حينما وضعته أمه ، قال تعالى حكاية عنه : وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [ سورة مريم ، الآية : 31 ] . وكيف كان ، فهي تابعة في جهات عبادتها لشخص آخر ، وهو إبراهيم أو موسى أو زكريا ، ولا استقلال لها بوجه حتّى يتوهّم أنها أصل من الأصول ، ولا ينافي ذلك نداءها من قبل الملائكة بلزوم الطاعة والعبادة والخضوع ، فإن كلّ نفس آمنت باللّه تعالى ايمانا حقيقيّا واتّصفت بالتقوى واليقين يمكن أن تحدثها الملائكة ، وقد ورد في جملة من الاخبار : « ان المؤمن محدث » ، ولا ريب أن حديث الملائكة كاشف عن كمال الإيمان ، كما أن وحي الشيطان كاشف عن كمال الشقاء والحرمان ، قال تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [ سورة الأنعام ، الآية : 121 ] . وربما يكون الوجه في الأمر بالركوع مع الراكعين هو لزوم الصلاة ، التي هي معروفة عند الخواص ، التي تكون خالصة عن الشوائب وكلّ ما هو خارج عنها عندهم .